الشوكاني

131

فتح القدير

أي غرض لك في الامتناع ، وأي سبب حملك عليه على أن لا تكون مع الساجدين لآدم مع الملائكة وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها ، وجملة ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون ) مستأنفة كالتي قبلها ، جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشرا مخلوقا من صلصال من حمأ مسنون زعما منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم ، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيرا منه . وقد صرح بذلك في موضع آخر . فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين - وقال في موضع آخر - أأسجد لمن خلقت طينا - واللام في لأسجد لتأكيد النفي : أي لا يصح ذلك منى ، فأجاب الله سبحانه عليه بقوله ( قال فأخرج منها فإنك رجيم ) والضمير في منها ، قيل عائد إلى الجنة ، وقيل إلى السماء ، وقيل إلى زمرة الملائكة : أي فأخرج من زمرة الملائكة فإنك رجيم أي مرجوم بالشهب . وقيل معنى رجيم ملعون : أي مطرود لأن من يطرد يرجم بالحجارة ( وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) أي عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمرا عليك لازما لك إلى يوم الجزاء ، وهو يوم القيامة ، وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت ، لأن المراد دوامها من غير انقطاع ، وذكر يوم الدين للمبالغة كما في قوله تعالى - ما دامت السماوات والأرض - أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يعذب بما هو أشد من اللعن من أنواع العذاب . فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب ( قال رب فأنظرني ) أي أخرني وأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون : أي آدم وذريته . طلب أن يبقى حيا إلى هذا اليوم لما سمع ذلك علم أن الله قد أخر عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبدا ، لأنه إذا أخر موته إلى ذلك اليوم فهو يوم لا موت فيه ، وقيل إنه لم يطلب أن لا يموت ، بل طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا ( قال فإنك من المنظرين ) لما سأل الإنظار أجابه الله سبحانه إلى ما طلبه وأخبره بأنه من جملة من أنظره ممن أخر آجالهم من مخلوقاته ، أو من جملة من أخر عقوبتهم بما اقترفوا ، ثم بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها . فقال ( إلى يوم الوقت المعلوم ) وهو يوم القيامة فإن يوم الدين ويوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم كلها عبارات عن يوم القيامة ، وقيل المراد بالوقت المعلوم هو الوقت القريب من البعث ، فعند ذلك يموت ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ) الباء للقسم ، وما مصدرية ، وجواب القسم لأزينن لهم : أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم في الأرض : أي ما داموا في الدنيا ، والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وأيقاعهم فيها - أو يشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها . وإقسامه ها هنا باغواء الله له لا ينافي أقسامه في موضع آخر بعزة الله التي هي سلطانه وقهره ، لأن الإغراء له هو من جملة ما تصدق عليه العزة ( ولأغوينهم أجمعين ) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها ( إلا عبادك منهم المخلصين ) قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام : أي الذين استخلصتهم من العباد . وقرأ الباقون بكسر اللام : أي الذين أخلصوا لك العبادة فلم يقصدوا بها غيرك ( قال هذا صراط على مستقيم ) أي حق على أن أراعيه . وهو أن لا يكون لك على عبادي سلطان . قال الكسائي : هذا على الوعيد والتهديد ، كقولك لمن تهدده : طريقك على ومصيرك إلي . وكقوله - إن ربك لبالمرصاد - فكأن معنى هذا الكلام هذا طرق مرجعه إلى فأجازي كلا بعمله وقيل على هنا بمعنى إلي ، وقيل المعنى على أن الصراط المستقيم بالبيان والحجة ، وقيل بالتوفيق والهداية . وقرأ ابن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن عباد وأبو رجاء وحميد ويعقوب " هذا صراط على " على أنه صفة مشبهة ، ومعناه رفيع ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) المراد بالعباد هنا هم المخلصون ، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه . فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما ، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه ( إلا من اتبعك من الغاوين ) استثنى سبحانه من عباده هؤلاء ، وهم المتبعون لإبليس